Saturday, August 8, 2009

عقدة الفانوس



في الماضي السعيد كانت لنا ذكريات رائعه الجمال مع شهر رمضان الكريم ، كنا ونحن صغار نحب في رمضان مظاهره واحداثه ، وكان من اجمل تلك المظاهر فروع الزينة الطويلة التي كنا نفردها امامنا كأنها عقد طويل تتدلي منه خيوط الورق او اكياس البلاسيتك تمهيدا لان نزين بها الشارع ، وكنا نتفنن في اشكال الفروع ،و كانت اشهرها علي شكل حرف الاكس او النجمة
كانت تزين الشارع كله حتي انه قد يصعب عليك ان تري السماء من كثافة الفروع وتداخلها
وكان دائما يتوسط سجادة الزينة المعلقة هذه فوانيس ضخمة تتباين في اشكالها واحجامها
كانت عادة تصنع من الخشب واحيانا من الحديد وتسكي كلها بالجلاد الشفاف زاهي الالوان وفي دخل الفانوس ترقد لمبة عملاقة تجعل الفانوس عندما يسري فيها التيار الكهربي كأنة درة مضيئة في سماء الشارع وسط ذلك المهرجان من الزينة الملونة
كان ذلك يتم عادة قبل رمضان بايام وكان يعد كأحتفال لكل اطفال الشارع الذين يتطوع بعضهم لان يمر علي الجيران كلهم و"يلم" الاشتراك لشراء كل المتطلبات ومنها طبعا فرع النور الطويل الذي يقطع الشارع كله ويحيله نهارا دائما حتي الفجر
وكان ذلك يتم كاجمل ما يكون حتي جاء ذلك العهد البائد حين زحفت تلك الامتحانات السخيفة حتي التهمت اول شهر رمضان الحبيب وثلثه ونصفه ، هذا فضلا عن معسكرات المذاكرة التي كانت تنعقد بكل غيظ قبل تلكم الامتحانات الرخمة ، كان ذلك علي مااذكر في بداية التسعينات ، حين كنا لانزال نتعثر في اول خطوات الابتدائي الزلقة ،حيث جدول الضرب وكتاب الانشطة ومادة الدرسات الاجتماعية التي لم تكن اجتماعية بالمرة
وفي سنة من تلك السنين التي كنا نتشكل فيها دون ان ندري اننا نتشكل ، جائت الامتحانات في منتصف الشهر الكريم ، وكانت امنيتي ان اصنع فانوسي الخاص بس ، كنت احلم بشكله الجميل وارسم في خيالي مساقط ليه افقية ورأسية وجانبية وشكل منظوري ثلاثي الابعاد ، واتصوره وهو معلق من قفاه في الشارع واللمبة داخله تخترق اشعتها الجلاد الملون الشفاف
وكان طوال فترة الامتحانات يسيطر علي ذلك الحلم الفانوسي وأعد الايام التي تفصلني عن ذلك المشهد الذي تراني فيه وانا حولي كمية من اخشاب طويلة واخشاب عريضة وافرخ من الجلاد وخيوط ولازق ومقص امي وفوضة عارمة كفيلة بأن تدعو علي امي
ولكن العجيب والذي ادهشني حقا ويظل يدهشني سنينا طوالا هو انه عندما انتهت فترة الاحتلال ورحلت اخر المواد مع اخر يوم في التيرم الطويل كشريط سكة حديد ،اني لم اقوم بصنع حلمي الذي تمنيت ان تنتهي الامتحانات من اجله باسرع ما يمكنها
حقا قد اندهشت من نفسي ، هل كان ذلك وهما سيطر علي تلك الفترة ان اقوم بصنع ذلك الفانوس الخشبي
لكني واثق اني كنت اعيش ذلك الحلم بالفعل بل وكنت انتظره علي احر من صفيحة ساخنة
وظل تفسير ذلك الامر يحيرني سنوات طوال حتي شاء الله ان اعرف السبب
انا لم اكن احلم بالفانوس في ذاته بل كنت احلم بما يعنيه
والفانوس يعني ان الامتحانات قد انتهت وولت بغير رجعه
لذا انا لم اكن انتظر الفانوس بنية خالصة للفانوس انا كنت انتظر الانتهاء من الامتحانات ، وربطت بين انتهاء الامتحانات والفانوس فحلمت بالفانوس الجميل
هذا لا يمنع اني كنت بالفعل احلم بان اصنع فانوسي الخاص بي لكن لم يكن ذلك الشوق العارم علي حقيقته لقد كان مبالغا فيه حيث كنت اتمني ان تنقضي فترة اعتقالي
ولا ازال رغم هذا الدرس البليغ اقع في شرك هذه الخدعه النفسية والتي اسميتها بيني وبين نفسي عقدة الفانوس
كان من الممكن ان اطلق عليها اسم معقد مثل" خدعة الروابط العصبية بين الاشياء وما تعنيه" ولكن لست بصدد ان اعرضها في مؤتمر علمي انا فقط أبني رصيدي المعرفي الخاص بي
وبعد مرور اعوام لم يعد هناك تلك الزينة الجميلة زاهية الالوان التي كانت تظلل الشارع وصارت الان زينة جاهزة مستوردة ميته الاحساس والأثر
واختفي الفانوس العملاق وحلت محله فوانيس سخيفة صغيرة متناثرة في الشرفات ويدخل الفانوس بعد انتهاء الشهر الكريم
وظهرت فوانيس غبية لا تشبه الفوانيس الا انها تضيء وتباع في رمضان ، لكن خلاف ذلك اصبحت الفوانيس الحالية مجرد لعبة علي اشكال الحيوانات او حتي علي هيئة ابطال مسباقات زيرو تسعمية
حقا لم يعد رمضان هو رمضان بمظاهره الاثيرة للنفس ولكن هذا لا يمنع ان عقدة الفانوس مازالت تسيطر علي كلما تمنيت انتهاء فترة ما طويلة كالسفر مثلا والاغتراب
الصورة من مدونة مكتوب

4 comments:

واصطنعتك لنفسي said...

أستمتع جداً عندما اقرأ أو اسمع لقطات ذكريات ما من الطفولة.. ربما لإن الحديث يستدعي أجمل لحظات عمري.. ربما

كلنا نعاني يا سيدي من عقدة الفانوس.. بل هي جزء من التكوين النفسي لطبيعة الإنسان.. مزيج من طول الأمل والأماني إنه سيفعل كذا وكذا بمجرد أن تتاح له الفرصة ومن الروابط النفسية التي تربطنا بمعاني نفسية في الاوعي

أنت تجيد التصوير ورسم اللقطات وهذه المرة خاصة أسلوبك له رونق دافيء.. لعله بريق اختيار الصور.. او انعكاس الذكريات

عارف!.. رغم قلة الزينة في الشوارع واختلاف المظاهر وظهور فانوس سي الاستاذ كرومبو.. إلا أن رمضان يتميز برونقه في أبسط الاشياء وإن قلت.. أذان الشيخ رفعت.. ابتهالات الاذاعة.. المدفع المنقرض.. احسب أن مجرد سيرة التمر تستدعي رمضان
لعل رمضان هو الذي يضفي الرونق لكل تلك الظواهر.. وإنما هو انعكاسه عليها

استمتعت بالتدوينة جداً وتفاعلت معها وادخلت سرورا خفياً لقلبي أنت قطعاً تعرف اسبابه :))

اسأل الله أن يبلغنا رمضان
وأن يعيدك قريباً إن شاء الله سالماً

إيمان

Unknown said...

كل سنة وانت طيب و جميل
جميلة أوى فكرة عقدة الفانوس وبتفسر حاجات كتير أوى فى حياتنا ، أنا على فكرة مازلت بعانى منها برضو ، بحاول أقاوم فكرة التأجيل و التسويف لتلك النهايات الوردية ، حديثاً اقتنعت أنه لا توجد نهايات كنهايات الأفلام العربية حيث يتم حل كل المشكلات و رجوع كل الغائبين ، ابدأ فوراً ربما كانت الدرس المستفاد من تحليلك الجميل
لم أقصد رسم صورة معتمة ولكن أقصد أننا تحت ضغط الواقع نضيع الكثير من الفرص الجميلة لأننا نرفض الواقع بالجملة فالجمال حاصل الان وليس فقط عند النهاية فقط أن نمتلك الاستعداد و الطاقة لممارسته فى كل الأوقات
دمتَ جميلاً ورمضان كريم ويارب يكونوا لسه بيعلقوا فوانيس فى السودان الشقيق

فليعد للدين مجده said...

كل عام وانت بخير اخي فهد

جمعاوى said...

كل عام و أنتم الى الله أقرب

(:

أنا بقى طلعت أجدع منك و متابع مدونتك من فترة طويلة و موجودة فى اول الريدير

(:



سلاماتى للشبيخ طلبة